إضاءات قانونية 3 ( الفاسدون والحصانة وما بينهما الانتخابات ) :

حين ينفق بعض المرشحين في الانتخابات البرلمانية آلاف الدنانير فاعلم أنه لا يصنع ذلك حُبَّاً في سَواد عيونك ولا حُرقةً على أوضاع البلد ولا تطوعاً لتحمل مسؤولية خدمة الوطن ، وإنما هو نصَّابٌ كبير يُخطط على المدى البعيد ليسرق البلاد والعباد. هؤلاء الأشرار يضعون أجسادهم في مقاعد البرلمان وتمتعهم بالحصانة البرلمانية سعياً منهم في التمتع بالحصانة البرلمانية التي كفلها الدستور لعدم ملاحقتهم قانونياً عمَّا اقترفته أيديهم من قبل من فساد وإفساد – وفق ظنونهم – طيلة عمر البرلمان ، وليفتحوا طريقاً واسعاً نحو الثروة التي لم تمتلئ بطونهم وجيوبهم منها من قبل وذلك بأكثر الحيل التواءً وخُبثاً ودناءةً ، وليضرب الطوفان ما وراءهم .
مثل هؤلاء تحميهم الحصانة البرلمانية والمال الواسع المتحصَّل من كل أنواع الحرام والممنوع ؛ تساعدهم “سياسة القرب” – وفق زعمهم بأفواههم – من بعض المسؤولين في قضاء مصالحهم والتغطية على شرورهم ، وحين يتضخم رأس مالهم الفاسد يشترون كل ما يدبُّ على الأرض ممن هو على شاكلتهم .
قبل الانتخابات البرلمانية قد لا تهتم بعض الأحزاب – طوعاً أو كُرهاً – باستقامة المرشحين ولا بصحيفة أعمالهم ولا بنقاء تاريخهم ولا بسوابقهم السوداء ، التي لا تخفى على الحزب ولا على أحد من المجتمع ، وإنما الذي يؤرق الدافع وراء ذلك هو مدى قُدرة ذلك المرشح على كسب مقعد في البرلمان ، حتى ولو كان أخاً للشيطان. بل قد يكون في منح التزكية للشياطين أنفسهم . وعند النجاح فالنتيجة استيلاءٌ واسعٌ على الثروة وفسادٌ كبيرٌ محميٌ بقوة المنصب – الكرسي – .
حين أنظر إلى هذا الكم من الفساد والفاسدين أتعجَّبُ لبلادنا كيف تسير إلى الأمام بثبات كبير، وبإصرار عجيب وبسرعة قصوى ، لأن السكتة القلبية هي المقابل المنطقي لتوسع الفساد ، لكني أطمئن إلى أنه على الرغم من كل ذلك فإن أملنا وظننا بأن هنالك ممن هم في مراكز المسؤولية الغيورين على الوطن ، يشتغلون في صمت ، ويجنبون الوطن انهيار السقف الذي يظِلّنا جميعاً – عسى أن لا يخيب ظني واطمئناني – .
أقول بأنه يجب أن تكون هنالك صحوةً لدولة القانون في هذا الشأن ، وتطبيقاً سليماً لآليات المراقبة والمحاسبة في بعض الجوانب نتمنى أن تتسع لتصل الشمولية . وكم نتمنى بل كم سينشرح الفؤاد ويطمئن المجتمع عندما يصبح الفاسدون من جميع الفئات تحت طائلة القانون كيف ما كانت قوتهم وحمايتهم ، يضعون يدهم على قلوبهم وهم ينظرون إلى الدور يدور حولهم ، ونحن والحمد لله نرى أن منهم من بدأت أصابع الشك تتجه إليه وقد فاتت عليهم باب التوبة والغفران ، وننتظر أن نراهم خلف القضبان ، لا أن نراهم على مقاعد البرلمان فمن لا يؤتمن على المجتمع بفساده لا يؤتمن على الوطن بأن يكون مشرّعاً فيه .
كذا فإنه وبالمقابل وبشكل متلازم فإن هناك شبكة من أعوان الفاسدين الذين سهّلوا عليهم المشاق وبسَّطوا لهم الطريق ، ممن تجب محاسبتهم ، لأنهم غير متورطين بشكل مباشر ، لكن المنطق يورطهم فيما اتهم به أباطرة الفساد . وكذلك أولئك الذين يعرفون الفساد والفاسدين ويسكتون عنه ، وهم إخوة للشياطين الخُرْس ، ممن يجب دفعهم إلى الاعتراف والشهادة بما رأوا ، غانمين من الفساد أو مجرد شهود عليه.
إن الفساد بجميع أنواعه وصوره وجوانبه من أعظم المحرمات وأبشع المنكرات التي نهى الإسلام عنها ودعا إلى إزالتها ، بل هو جريمة من الجرائم التي توجب العقوبة الدنيوية والأخروية ، بل يشتد خطورة وإثماً إذا كان الفساد في التشريع والأمور العامة والمال العام .
نعم إن الحرب على الفساد ليست بالأمر الهيّن ، خاصةً إذا كان سرطاناً متقدماً ، يقتضي بتر الأعضاء للحفاظ على باقي الجسد سالماً ، فهل نحن جميعاً مستعدون لألم قص أطراف الجسد وحفظ الجسد ؟!.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *