راجعني بعض العاملين في إحدى المؤسسات الأهلية في القطاع الخاص لطلب الاستشارة القانونية بخصوص مشروعية إنهاء خدماتهم في تلك المؤسسة ، وقد علمتُ أن عدد من تم إنهاء عملهم ليس بالقليل ، بل هو قابل للزيادة لاحقاً كما علمت منهم ، وقد تفاوتت فئات أعمارهم الجسدية ( ما بين الفتوة والشيخوخة ) وكذلك الوظيفية في تلك المؤسسة .
وبعد الاطلاع على صيغ بعض قرارات إنهاء الخدمات لهم – وهي متشابهة تقريباً – وجدتُ ما مكَّن صاحب العمل من استغلال القانون في إصدار قراره الخاص بهم ، ومارس تعسُّفاً في استعمال الحق الذي ليس لأجله منحه القانون له ، وقرار صاحب العمل ليس مشروعاً باستعماله بهذه الطريقة ؛ فلم يرتكب أيَّاً منهم أية مخالفة منصوص عليها في قانون العمل أو النظام الداخلي لتلك المؤسسة ، كذلك عدم وجود أية أسس ومعايير في انتقاء هؤلاء العاملين دون غيرهم عند إنهاء خدماتهم ، وهذا فيه تعدّي على حقوق الناس وكراماتهم وقطع للأرزاق دون وجه حق – مع التأكيد أن الرزق بيد الله وحده وما أصحاب العمل إلا وسيلة في الدنيا – ، فكيف بمن أفنى عمره في تلك المؤسسة ، أو ترك عملاً سابقاً والتحق بالعمل بهذه المؤسسة ظنَّاً منه بأن في عمله لدى تلك المؤسسة ما يحقق له وأسرته استقراراً معيشياً وأماناً وظيفياً ، وأمضى عمراً ليس بالقليل في العمل بها وفتح بيتاً يضم زوجة وأطفال ، وأرهقه التزامات مالية من قروض وبدل إيجار ومعيشة كيف سيتدبرها بعد إنهاء عمله ، وأين سيجد عملاً ، وكيف سيغطي التزاماته تجاه البنوك والكفلاء والأسرة …الخ !!؟ .
فمنهم من ذرفت دموعه بل انهمرت مما لحق به جراء ذلك الفعل ، وبعضهم أخبرني بأنه لم يتسطع إخبار أسرته أنه طُرد من عمله ، فهو يخرج صباحاً ولا يعود إلى البيت إلا مساءاً – أوقات عمله السابق – حتى لا يعلم أهل بيته ؛ لأنهم لن يصدقوه بأنه لم يرتكب فعلاً استوجب إنهاء عمله لحُسن ثقتهم بتلك المؤسسة بأنه لا يمكن أن تظلم أحداً !؟.
وفي هذا الصدد لا بد لي من توجيه الرسائل التالية ، التي فيها تحذيراً ووعيداً لكل من يرتكب ظلماً بحق العباد ، واطمئناناً لكل مظلوم ، وتحذيراً لمن يقدم النصيحة والمشورة لمن ولي أمراً أو أوكل إليه أمر أحد من المسلمين ؛ لعلَّ فيها عبرة وموعظة ، وعدولٌ عن الظلم واجتنابه .
أولاً : رسالتي للظالم :
يقول الله تعالى :” قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ “.
إن من عرف حجج الله وآمن بها واتبعها ، فقد بلغ الخير لنفسه ، ومن تعامى عن معرفة الحق ، وآثر عليها ظلمات الغواية ، فعلى نفسه جنى ، وأوردها الردى .
عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربِه عز وجل أنه قال :
” يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي ، وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا ، يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته ، فاستهدوني أهدكم ، يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته ، فاستطعموني أُطعمكم ، يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته ، فاستكسوني أكسكم ، يا عبادي إنكم تخطئون بالليلِ والنهار ، وأنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر لكم ، يا عبادي إِنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني ، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا ، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجرِ قلب واحد منكم ما نقص من ملكي شيئا ، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني ، فأعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر ، يا عِبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها ، فمن وجد خيرا فليحمد الله ، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه )” رواه مسلم ) .
أيها الظالم :
كما تدين تُدان ولو بعد حين ، وكما تفعل يُفعل بك ، وكل ساق سيُسقى بما سقى الناس .
نعم ستزورك أفعالك فلا تفجع منها ، وكأسك الذي أذقته غيرك لن تموت حتى يُذيقك الله منه بيد أخرى ، فالديون ستبقى معلقة برقية صاحبها طول العمر ، أياً كان ظلمك إن كنت تتوقع أنك أقوى من هؤلاء الذين ظلمتهم فاعلم أن عين الله لم تنم .
يقول الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه :
أَما وَاللَهُ إِنَّ الظُلمَ شُؤمٌ لا زالَ المُسيءُ هُوَ الظَلومُ
أيها الظالم ستمرُّ بأربعة مراحل وصفها الله تعالى في كتابه العزيز :
المرحلة الأولى: هي الإمهال والإملاء “وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِين” .
المرحلة الثانية : الاستدراج “سنستدرجهم من حيث لا يعلمون” .
المرحلة الثالثة : التزيين “وزين لهم الشيطان أعمالهم” .
المرحلة الرابعة: هي الأخذ “حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة” “وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ” .
يقول الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله : لا يموت ظالم في الدنيا حتى ينتقم الله منه ، ومن تمام انتقام الله منه ، أن المظلوم يراهُ حتى يشفي غليله منه”، فيا من تظلم الناس اتق الله في نفسك ودع عنك الظلم، واعلم أن دعوة المظلوم مستجابة ليس بينها وبين الله حجاب، وظلمك للناس ستعاقب عليه في الدنيا قبل الآخرة، فهل من مدكر!؟.
يروي الشيخ عبد الله الغامدي عن دعاء إمرأة عجوز في المسجد الحرام ، فيقول :
سمعت إمرأة عجوزاً في الحرم تكرر دعوة واحدة ، أفزعت وأحزنت بها كل من حولها ، إذ كانت تخرجها من قلب فتته القهر ، وتلهج بها بلسان أرهقته الشكوى ، فتقول :
” ربي إني مظلومة ، وقد سلمت ظالمي ليدك ، فانتصر لي ” .فما تظنون الله يصنع بظالمها الذي سلمته له في حرمه ؟ …… ألا ويلٌ للظالمين من دعوات المظلومين .
ثانياً : رسالتي للمظلوم :
” إن الله سيؤذي من آذاك في أعزّ ما يملك … فاطمئن “.
” من يظلمك يمده الله في الدنيا فيظن أنه على حق وانتصر ، ولكن مع مرور الأيام تأتيه الضربة من مكان لا يتوقعه ، وسيعوضك الله أضعاف ، فمن ظلمك تحدَّى الله ، لذلك لا تتعب نفسك بالتفكير بالانتقام ، سيأتيك الفرج دعها واتركها لله تعالى ، ضاقت فلما استحكمت حلقاتها فُرجت وكنت أظنها لا تفرجُ ، أبشر إن شاء الله سيفتح الله لك باباً كُنت تحسبه من شدة اليأس لا يُفتح ، هذا ظننا برب العالمين ، فقط أحسن الظن بالله . فالله تعالى يقول :” وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ ” . صدق الله العظيم .
إن كنت تظن أن ظالمك سعيد فأنت تسيء الظن بالله ، ليس شرطاً أن ترى عقوبته بعينيك ؛ فقد يعاقبه الله بأشدّ من الشلل والعلل ، قد يعاقبه بالتعاسة ، بالخوف ، بفقدان ما يُحب ، بانعدام إحساسه بالنّعم ، بنفور أحبابه وأصحابه منه ، بازدراء المجتمع له ، سوء سمعته ، وبحرمانه الراحة ، بوقوعه مما يخشاه أو مطمئنٌ أن لا يُصيبه ، اطمئن هي سلسلة عقوبات إلهية تبدأ في الدنيا وبقيتها في الآخرة .
ثالثاً : رسالتي ونصيحتي لمن ولي أمراً أو أوكل إليه أمر أحد من المسلمين ولمن يقدم النصيحة والمشورة :
احذر من المستشارين والناصحين الذين لا يخافون الله .. فإبليس لعنة الله عليه إرتدى ثياب النصح لسيدنا آدم عليه السلام ، يقول الله تعالى :” فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ ٱلشَّيْطَٰنُ قَالَ يَٰٓـَٔادَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلْخُلْدِ وَمُلْكٍۢ لَّا يَبْلَىٰ “. صدق الله العظيم .
يقول الشاعر :
إِنَّ الأَفاعي وَإِن لانَت مَلامِسُها عِندَ التَقَلُّبِ في أَنيابِها العَطَبُ
قد يعشق المرءُ من لامالَ في يده ويكره القلبُ من في كفّه الذهب
ما قـيمةُ الناس إلا في مبادئهم لا المالُ يبقى ولا الألقابُ والرتب
ختاماً : يقول الشاعر :
مَن عَفَّ عَن ظُلمِ العِبادِ تَوَرُّعاً جاءَتهُ أَلطافُ الإِلَهِ تَبَرُّعاً
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .