قال الله تعالى : ﴿ وتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾ . صدق الله العظيم .
قال ابن كثير في تفسير الآية الكريمة : إن الله يأمر عباده المؤمنين بالمعاونة على فعل الخيرات وهو البّر، وترك المنكرات وهو التقوى ، وينهاهم عن التناصر على الباطل والتعاون على المآثم والمحارم .
كذلك قال ابن جرير: الإثم ترك ما أمر الله بفعله ، والعدوان مجاوزة ما حد الله في دينكم ، ومجاوزة ما فرض الله عليكم في أنفسكم وفي غيركم .
لقد حثَّ ديننا الحنيف على التعاون بين المسلمين ، ولا بد من الإعانة على فعل كل ما أمر به الله سبحانه وتعالى ، ومساعدة الآخرين على فعله ، والانتهاء عن كل ما نهى عنه الله سبحانه وتعالى ، ونهي الآخرين عنه ومساعدتهم على عدم فعله ، وهو ما دفعني لكتابة هذا المقال.
إن للعمل الخيري في الإسلام خصائص تميزه عن غيره من أعمال الخير في الديانات الأخرى ، فهو يمتاز بالشمولية ، والتنوع ، والاستمرار ، وقوة الحافز لقاء القيام به ابتغاء مرضاة الله تعالى ، والإخلاص في العمل الخيري بحيث لا تشوبه شائبة أو تلوِّثه ؛ وذلك يتحقَّق بأن تكون بواعثه دينية وأخلاقية ، لا دنيوية ولا مادية ، فلا يُقبَل الخير من امرئ جعله وسيلة لخداع الناس، أو كسب أصواتهم في الانتخابات ، فالعمل الخيري له أهدافٌ إنسانيةٌ نبيلة تتمثل في مد يد العون لكل من هو محتاج ؛ وذلك من خلال تقديم مساعدات معينة للفقراء والأيتام ، كالغذاء والعلاج والدواء واللباس والمال وغير ذلك ، وفي ديننا الحنيف ، يتم التقرب إلى الله بمثل هذا العمل ابتغاء مرضاته ؛ فالمُحسن أو المتطوع للعمل الخيري أو من يتولى إدارته وتنظيمه لا ينتظر مبدئياً من عمله إلا الثواب من الله ، ولا شيء غير ذلك ؛ أو هكذا يجب أن يكون ؛ لكن (ولا بد من لكن) هذا العمل النبيل قد لا يبقى من نُبله إلا القشور بفعل تدخُّل اعتبارات لا علاقة لها بالعمل الخيري المراد به وجه الله ؛ فقد يتخذه البعض غطاءاً لأهداف لا علاقة لها بالإحسان ، كأن تكون الغاية منه مكسباً مادياً أو سياسياً مثلاً .
فالتاجر الذي يساعد الفقراء من أجل كسب سمعة حسنة تجلب لهم الزبائن ، والسياسي الذي يقدم العون للمحتاجين رغبة في كسب صفة مُحسن ، يستميل بها الناخبين عند الحاجة ، والشخص الذي يحب الرّياء والسمعة ، يجعل من مساعدة الآخرين وسيلة للظهور… ، كل هؤلاء يقدمون نماذج من الفساد الأخلاقي والسياسي والاقتصادي والاجتماعي ، من خلال قيامهم بعمل ظاهره ” خيري ” وباطنه مصلحةٌ شخصية ، يتم تحقيقها باستغلال الفقر والعوز ، وبما أن العمل الخيري ، كنشاط وجهد ، لا يتم القيام به بشكل فردي فقط ؛ بل وجماعي أيضاً- أي عن طريق جمعية أو غيره- فإن مسألة استغلال الفقر والحاجة لتحقيق مكاسب مادية ترفع في هذه الحالة من حجم الفساد وخطورته ، لكون آثاره تنعكس على المؤسسات الخيرية .
وإلى جانب هذا النوع من الفساد المتستر وراء ” مساعدة المحتاجين ” لتحقيق مكاسب سياسية بفضل أصوات الناخبين ، هناك نوع آخر من الفساد ، يتخذ من مؤسسات العمل الخيري – الموجودة أساساً لفائدة الفئات الأكثر هشاشةً والأكثر حاجة إلى الدعم والمساعدة- موطناً وملاذاً له ؛ مما يُحوِّل العمل الخيري والتطوعي في هذه المؤسسات إلى مصدر للكسب المادي ؛ ثم يرفع شعاراً له الآية القرآنية الكريمة ” إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ ” ، يَنسب لنفسه تَخلُّقه بتلك الآية الكريمة عليه وهيَ منه براء ؛ فصفتي القوة والأمانة ليست له وليست من صفاته ؛ فمن لا يؤتمن على الفقراء والمحتاجين والأيتام لا يُمكن أن يؤتمن على الوطن ومقدراته وأبنائه ، فمن أكل مال اليتيم وسرق معونة الفقير فقد خان الله ورسوله فكيف لا يخون وطنه وأهله ؟!! نسأل الله لنا ولوطننا وأهلنا العافية والسلامة منهم .
عن عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه ، عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال : ” لا يكسب عبد مالاً حراماً فيتصدَّق منه فيُقبل منه ، ولا يُنفق منه ; فيبارك له فيه ، ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار ، إن الله لا يمحو السيئ بالسيئ ، ولكن يمحو السيئ بالحسن ، إن الخبيث لا يمحو الخبيث ” . صدق رسول الله – صلى الله عليه وسلم – .
وحتى نُقرِّب الصورة أكثر، نشير إلى أن هناك أناساً يلجأون بل ويتشبثون في إدارة العمل الخيري والتطوعي ، ليس حُبَّاً فيه وإنما بحثاً منهم لما هو نقصٌ لديه من الوجاهة والحظوة شعبياً ورسمياً ، وتحقيقاً للمصالح الشخصية ، المادية منها والمعنوية من جهة أخرى .
فما معنى أن يحرص المسؤول في تلك المؤسسة الخيرية على أن يستفيد هو شخصياً مادياً أو تنمية مصالحه التجارية الخاصة بالاتفاق مع شركائه في تلك المؤسسة من صفقات وعطاءات وتسهيلات وامتيازات بحكم منصبه ونفوذه بمبالغ مالية بآلاف الدنانير أو قد تصل الملايين ؟ أليس في هذا استغلال للنفوذ ؟ ألسنا أمام حالة تنافي واضحة يطالها القانون ؟ ألسنا أمام نوع خاص من الفساد ، لكونه يتخذ العمل الخيري غطاءاً له وقناعاً لصاحبه ؟.
أيضاً إن من أسباب الفساد في العمل الخيري ضعف الإيمان والوازع الديني ، فالنفس الخاوية من الإيمان ، التي لا تخشى الله ولا رسوله ، لا تبالي بارتكاب المحرَّمات ، ولا تخشى العقاب الربَّاني على الفساد في الأرض ، ولا تشعر بالضيق أو بالهَّم الذى يشعر به المؤمن في حال اقترافه الفساد ، بل يزيِّن له الشيطان سوء عمله ، ويسمِّي الأسماء بغير مسمياتها ، وكذلك اتباع الهوى وانتشار الأخلاق الفاسدة ، مثل الكذب ، والنفاق ، والرياء ، والغلظة ، وسوء الظن ، وعدم الوفاء بالعهود ، والعقود ، وخيانة الأمانة والرشوة والمحسوبية والاحتيال ، كذلك إن قوة ترابط وتكاتف الفاسدين والمفسدين في العمل الخيري ودقة تنظيمهم توسّع نطاقهم وفسادهم ؛ فليحذر الناس منهم.
وقد يصل الأمر إلى نوع من التحايل لاستنزاف مال المؤسسة للأهداف نفسها (المصلحة الخاصة) ، ومن بين أساليب التحايل المستخدمة ، البحث عن أموال المتبرعين أو من المُمّولين لمشاريع المؤسسة من مؤسسات اقليمية ودولية – وسأتحدث عن التمويل الإقليمي والدولي في العمل الخيري في مقال خاص لاحقاً بإذن الله تعالى- لتُتَّخذ هذه الأموال ذريعةً للشروع في تنفيذ مشروع ما ؛ لكن دون التصريح بالمبالغ المتبرع بها أو قيمة التمويل وتفاصيله ، بحيث يرفض ذلك المسؤول إطلاع أي من ذوي الاختصاص في المؤسسة على تفاصيل وبنود التمويل ؛ بحيث يستأثر وشركائه المستفيدين معه به – وانظروا كيف كانوا هم قبل ذلك وكيف أصبحوا اليوم بما يملكون أموالاً كثيرة المنقولة منها وغير المنقولة – وذلك من خلال إيداعه في حسابات جديدة خاصة للمؤسسة دون حساباتها الرئيسية أو من خلال سجلات مالية ورقية لا يطَّلع عليها سواهم يتم إتلاف تلك السجلات لاحقاً ؛ وهذا كلّه بزعمهم دون حق وجود تعليمات من الجهات الممولة بأن تكون الحسابات منفصلة ، أو أن يتم إدخال المبالغ المالية المُتبرع بها في حسابات المؤسسة الرئيسية بدعوى أن صاحبها قد اعتبرها زكاة ولا يُحب أن يُعرف من هو !! أو أن المبلغ المتبرَّع به مشروط ، يبغي المتبرع من ورائه إنشاء منشأة ما !! .
وما أن تبدأ الأشغال في إنشاء المنشأة التي ابتغاها المتبرع من التبرع حتى يُصرّح المسؤول بأن المبلغ المالي قد نفد !! مما يضطر الجمعية إلى إتمام المنشأة من مال الجمعية الذي يعتبر مالاً عاماً لكون الجمعية تستفيد من الدعم المقدم من أهل العطاء والإحسان ؛ فالتحايل هنا واضح ، والمستهدف هو مال الجمعية الذي هو من المال العام .
لكنَّ الأدهى والأمر، هو أن يجد هذا التحايل وهذا الفساد المقنَّع من يحميه أو يُزكّيه أو يتسَّتر عليه ، فيجب أن يكون للجهات الرقابية كامل الدور والفعالية على قطاع العمل الخيري الذي يستغله هؤلاء الفاسدون ؛ وأن يتم نزع الحماية عنهم ، وزجهم في السجون ، ومصادرة كل ما اكتسبوه دون وجه حق ، وإعادة الأموال المنهوبة لمؤسسات العمل الخيري وفئاته المستفيدة من شرائح المجتمع ؛ حتى لا تتمدَّد لتصبح مُعدية وتُفرّخ نسخاً أشدُّ ضرراً .
وإذا أضفنا إلى كل هذا سلوك بعض المتطفّلين على العمل الجماعي المهتم بالعمل الخيري ، الباحثين عن الشُهرة وعن المال ، فسوف نُدرك مستوى الفساد الذي قد يصيب بعض المؤسسات التي تعنى بالعمل الخيري ؛ فقد يصل الأمر بالبعض إلى استعمال النَّصب والاحتيال على الجهات الداعمة والمتبرعين ؛ إذ ما معنى أن تحصل على مبلغ مادي من الغير أو من خلال ما حصلت عليه دون وجه مشروع من أموال المؤسسة وتقدمه إلى المؤسسة ذاتها على أنه من مالك الخاص ؟!! ويزداد هذا التساؤل إلحاحاً حين تعلم أشياء غير مشرفة عن شخصية من قام بذلك الفعل !!!.
إن استغلال بعض مؤسسات العمل الخيري ومواردها وأدواتها في تلميع صورة بعض المسؤولين فيها لا تعدو إلا أن تكون قالب من الاستغلال لها ، وإن بسط موارد العمل الخيري وأدواته وتسخير العاملين في تلك المؤسسات اللذين هم تحت إمرة أولئك المسؤولين وتسخير أموال المؤسسة المنقولة وغير المنقولة لمصالحهم الشخصية المادية والأسرية ، وفي تنظيم اللقاءات والفعاليات والمناسبات الخاصة بهم هو الفساد بعينه .
لقد استغلَّ أصحاب الضمائر الفاسدة العمل الخيري ومبادئه السامية النظيفة – التي كرَّسها الشرع الحنيف وتحلَّى بها مجتمعنا الطيب الأصيل – ووجدوا فيه نافذة للتكسُّب ( المشروع ) وغير المشروع ولو على حساب الفقراء والمحتاجين والأيتام ، ووسيلةً غير نظيفة لقضاء مصالحهم ، وبناء مجالسهم بين المنافقين الذين يقبضون منهم بغير حق هاتفين لهم منافحين عنهم بغير حق ، مطبّلين راقصين لهم على شتَّى أنواع الطبل والرقص والنفاق .
قال الله تعالى: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾ . صدق الله العظيم .
وهنا لا بد من الإشارة أنني لا أنتقص جهد وعمل العديد من الجمعيات والمؤسسات التي تعنى بالعمل الخيري والمُشار إليها بالبناء والعطاء والإخلاص والأيدي النظيفة ، والتي يقوم عليها ويتولاها بلا شك أناس ثُقاة لهم سجلهم وتاريخهم وماضيهم المشرّف ، ولكننا أتحدث هنا عمَّن دخل العمل الخيري من باب الاستغلال والتكسُّب تحت مسمَّيات وأوجه عدة ؛ مُستغلاً ثقة وطيبة المجتمع وعطاءه المدرار من أفراد ومؤسسات رسمية وغير رسمية .
وحتى لا نُتهم بالعدمية أو التعميم المُجحف ، وإنصافاً للمخلصين من المناضلين في واجهة العمل الخيري والتطوعي ، فلا بد من الإشارة إلى أنه قد نجد داخل بعض مؤسسات العمل الخيري والتطوعي التي يتولاها أصحاب الضمائر الفاسدة مُناضلين شُرفاء يبذلون قُصارى جهودهم لمحاربة هذا النوع من الفساد المتدَّثر برداء الإحسان ؛ لكن الفشل غالباً ما يكون حليفاً لهم على اعتبار أن الفساد مستشر عمودياً وأفقياً داخل تلك المؤسسة ، أو بعبارة شاملة جامعة : للفساد في المؤسَّسة ربٌّ يحميه !!!.
خلاصة القول أن الفساد وصلت إساءته إلى بعض المؤسسات الخيرية من خلال تصرفات من يتولاها ، وقد آن الوقت لاستغلال للعمل الخيري أن يتوقَّف ، وأن يُحاسب مرتكبيه ، وأن يَحذر ويُحذَّر الناس منهم ، وختاماً أقول اللهُّم الطف بهذا البلد وبأهله وبمؤسساته ، كما واحفظ اللهُّم وأوسع على الفقراء والمحتاجين والأيتام اللَّذين ضاعت حقوقهم وهُضمت مستحقاتهم وانتقصت مُخصصاتهم من أصحاب الضمائر الفاسدة .
أما أصحاب الضمائر الفاسدة في العمل الخيري ؛ فأقول لهم تمتَّعوا وتلذذوا في أكل المال الحرام وفي المعصية وقهر المحتاجين والفقراء ، والتعدٍّ على حقوق الناس ولكنكم لا تدرون ما يُخبّئه لكم القدر، وما يبتليكم به الله المنتقم ، فالله يُمهل ولا يُهمل ، وانتظروا عقاب الله لكم في قادم الأيام كما حصل لبقية الأمم ممن سلكتم وارتضيتم طريقها طريق الضلال والنار ، التي فَسدت فكان مآلها السقوط والاندثار والعذاب الأليم .
والحمد لله رب العالمين