تعد جريمة استثمار الوظيفة من الجرائم المضرة بالمصلحة العامة ، وتعتبر جريمة استثمار الوظيفة من أهم جرائم الفساد ؛ وذلك بالنظر إلى ما ينجم عن ارتكاب هذه الجريمة من آثار وأضرار على الفرد والمجتمع من ناحية ، وعلى الوظيفة العامة ونزاهتها وحيادها من ناحية أخرى ، وهي تتمثل بقيام موظف في الدولة أو إدارة عامة من خلال ممارسة عمله أو إمتناعه بشكل مخالف للقانون بغرض الحصول على مزايا غير مستحقة ، من مثل حصوله على منفعة شخصية من إحدى معاملات المؤسسة التي ينتمي إليها ، سواء فعل ذلك مباشرة أم على يد شخص مستعار و/أو مأجور ( له عمولة ) ، أم باللجوء إلى صكوك صورية ؛ كاستغلال الموظف موارد المؤسسة لأغراض شخصية من خلال التجاوزات المالية والإدارية التي يتمتع بممارستها والتي تؤدي إلى إهدار أموال المؤسسة من مثل قيامه جمع النقود وببناء الفلل وشراء العقارات وإنشاء الشركات من مبالغ تعود للمؤسسة أو من المنح الواردة إليها ، والتصرف بأموال تلك المنح بغير الغاية التي منحت لأجلها .
يشترط القانون والقضاء لقيام جرم استثمار الوظيفة توافر الشروط والأركان التالية :
الصفة المفترضة: وذلك بأن يكون مرتكب الجرم قد وكل إليه أمر إدارة أو بيع أو شراء أموال الدولة أو إحدى مؤسساتها أو الجهات المشار إليها في قانون الجرائم الاقتصادية ؛ أي أن يكون مختصاً ببيع أو شراء أو إدارة تلك الأموال وفقاً لما ذهب إليه اجتهاد محكمة التمييز والتي رتبت على انتفاء الاختصاص انتفاء الجرم حيث يفترض لقيام هذه الجريمة بأن يكون الجاني طرفاً في أي عمل من الأعمال المحددة في النص ( البيع, الشراء, الإدارة ) ؛ فلا بد من أن يكون بصفته وكيلاً بائعاً للأموال العامة أو شارياً لها أو أن يده على تلك الأموال تمكنه من إدارة شؤونها والتصرف فيها واستعمال وسائلها وأدواتها وذلك كله لحساب الإدارة التي ينتمي إليها ، حيث استلزم المشرع في المادة ( 175) من قانون العقوبات في مرتكب جريمة استثمار الوظيفة أن يكون موكلاً في بيع أو شراء أو إدارة أموال منقولة أو غير منقولة لحساب الدولة أو لحساب إدارة عامة وكذلك أنزلت الفقرة ( أ ) من المادة الثانية من قانون الجرائم الاقتصادية كل موظف أو مستخدم أو عامل معين من المرجع المختص في أي جهة من الجهات المنصوص عليها في الفقرة (ب) من هذه المادة وكذلك رؤساء وأعضاء مجالس أي من الجهات الواردة في البنود( 3-8 ) من الفقرة (ب) من القانون ذاته منزلة الموكل إليه بيع أو شراء أو إدارة أموال الدولة عند إدارته أو بيعه أو شرائه للأموال العائدة للجهات الواردة في الفقرة (ب) أو الخاضعة لإدارتها أو إشرافها ومنها أموال البنوك والشركات المساهمة العامة والنقابات والاتحادات والجمعيات …الخ ؛ حيث تنص المادة الثانية من قانون الجرائم الاقتصادية :
” أ . تشمل كلمة موظف لأغراض هذا القانون كل موظف او مستخدم او عامل معين من المرجع المختص بذلك في اي جهة من الجهات المنصوص عليها في الفقرة (ب) من هذه المادة ، كما تشمل رؤساء واعضاء مجالس الجهات الواردة في البنود ( 3 الى 8 ) من الفقرة (ب) من هذه المادة وكل من كُلف بخدمة عامة بأجر او بدون أجر .
ب. وتشمل عبارة الأموال العامة لأغراض هذا القانون كل مال يكون مملوكاً أو خاضعاً لإدارة أي جهة من الجهات التالية او لإشرافها :
- الوزارات والدوائر والمؤسسات الرسمية العامة .
- مجلسا الاعيان والنواب .
- البلديات والمجالس القروية ومجالس الخدمات المشتركة .
- النقابات والاتحادات والجمعيات والنوادي .
- البنوك والشركات المساهمة العامة ومؤسسات الاقراض المتخصصة .
- الاحزاب السياسية .
- أي جهة يتم رفد موازنتها بشكل رئيس من موازنة الدولة .
- اي جهة ينص القانون على اعتبار اموالها من الاموال العامة .”.
الركن المادي : القائم على أساس وقوع أفعال الاستثمار من خلال ارتكاب الغش أو التدليس أو الخديعة أو استخدام الوسائل الاحتيالية ومخالفة الأحكام التي تسري على أعمال الإدارة أو البيع …إلخ ، ومن تلك الصور التي حددها المشرع في المادة ( 175) من قانون العقوبات :
أ. الصورة الأولى وهي الغش في أحد أعمال البيع أو الشراء أو الإدارة لأموال الجهة التي يديرها ، ويقصد بالغش الخديعة التي يقوم بها الجاني وتوقع الطرف الآخر في وهم يدفعه إلى التعاقد أو أن يستعمل الجاني وسائل احتيالية في أحد هذه الأعمال.
ب . أما الصورة الثانية والمتمثلة في مخالفة الأحكام التي تسري على أعمال البيع أو الشراء أو الإدارة ؛ أي إقدام الجاني على مخالفة الأحكام التي تضبط أو تنظم أعمال الإدارة أو البيع أو الشراء سواءً وردت هذه الأحكام في القانون أو الأنظمة أو التعليمات أو النظام الداخلي لتلك المؤسسة أو القرارات الصادرة عن الجهات المختصة في المؤسسة أو أية اتفاقيات أبرمتها مع الغير وذلك بالقيام بأعمال البيع أو الشراء بصورة مخالفة لهذه الأحكام أو مخالفة هذه الأحكام عند القيام بأعمال الإدارة .
محل الجريمة: وذلك بأن يكون مالاً عاماً أو نقوداً وأشياء تعود للدولة أو مما يتمتع بصفة المال العام ؛ بمعنى بأن يكون مالاً عاماً سواء أكان منقولاً أو غير منقول تعود ملكيته للدولة أو لحساب أي إدارة عامة أو أن يكون مملوكاً أو خاضعاً لإدارة أو لإشراف أي من الجهات التي حددها قانون الجرائم الاقتصادية في الفقرة (ب) من المادة الثانية والتي تتمتع أموالها بصفة المال العام حيث استلزم القانون في المادة ( 175 ) من قانون العقوبات في المال محل جريمة استثمار الوظيفة سواءً كان منقولاً أو غير منقول أو أن يكون مملوكاً لحساب الدولة أو لحساب إدارة عامة وكذلك أنزلت الفقرة (ب) من المادة الثانية من قانون الجرائم الاقتصادية الأموال المملوكة أو الخاضعة لإدارة أو لإشراف أي من الجهات الواردة فيها منزلة المال العام .
الركن المعنوي: القائم على عنصري العلم بأركان الجريمة وعناصرها مع إرادة متجهة إلى ارتكاب هذه الأركان مع هذا العلم علاوة على توافر القصد الجرمي الخاص المتمثل في نية الاستيلاء على المال العام أو جر مغنم ذاتي له أو مراعاة لفريق من الفرقاء سواء الإدارة التي يمثلها أو الطرف الآخر أو إضراراً بالإدارة أو الطرف الآخر ، وعليه فإن القصد الجرمي بعناصره أعلاه وفقاً لما استقر عليه الاجتهاد القضائي هو صفة بذات الفاعل تستخلص من التصرفات الظاهرة ومما يصدر عنه من أفعال أو أقوال ومن ظروف ارتكاب الفعل ذلك أنه هو إرادة ارتكاب الجريمة على ما عرفها القانون وفقاً لأحكام المادة ( 63 ) من قانون العقوبات وبالتالي فهو أمر داخلي يبطنه ويضمره الفاعل في نفسه ويستدل عليه من الظروف والقرائن التي رافقت الفعل .
تنص المادة الثانية من قانون الجرائم الاقتصادية :
أ . اذا ارتكب مدير أي هيئة معنوية او موظف فيها او أي من اعضاء مجلس ادارتها او هيئة مديريها بما في ذلك رئيس المجلس او الهيئة او أي من العاملين في الهيئات الواردة في الفقرة (ب) من المادة (2) من هذا القانون ، أي جريمة خلافاً لأحكامه وتبين أن هذا الجرم قد ارتكب قصداً فيعاقب بمقتضى العقوبات المنصوص عليها في قانون العقوبات وهذا القانون .
ب. اذا ارتكب أي من المذكورين في الفقرة (أ) من هذه المادة ذلك الجرم نتيجة خطأ جسيم فيعاقب بعقوبة الحبس لمدة لا تتجاوز سنتين .
تنص المادة السابعة من قانون الجرائم الاقتصادية :
أ . يعفى من العقوبة المقررة للجرائم التي يكون محلها مالاً عاماً والمعاقب عليها وفقاً لأحكام هذا القانون كل من بادر من الشركاء في الجريمة من غير المحرضين على ارتكابها بتبليغ السلطات المختصة بالجريمة قبل اكتشافها وأدى هذا التبليغ الى رد المال محل الجريمة .
ب. اذا حصل التبليغ بعد اكتشاف الجريمة وقبل صدور الحكم النهائي بها وادى هذا التبليغ الى رد المال فعلى المحكمة أن تقضي بالحد الادنى للعقوبة ولها الأخذ بالاسباب المخففة .
تنص المادة العاشرة من قانون الجرائم الاقتصادية :
” لا تسري احكام التقادم على الجرائم المرتكبة خلافاً لأحكام هذا القانون ولا يسري هذا التقادم على العقوبات المقررة لها” . .
وفي الختام نقول لكل من ارتكب و/أو يرتكب هذا الجرم :
” يقول الله تعالى : ( مَا أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ ) . صدق الله العظيم .
رحم الله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما صادر الهدايا التي تقدم للولاة في مناطق الخلافة فقال عن أحدهم ( فليجلس في بيت أبيه ولينظر هل يُهدى إليه ) .
- ما يدفع عنكم عذاب الله مما جمعتم من المال الحرام ؛ إن كل ما جنيتموه من ثروة هو مالٌ حرامٌ ، ولن تحول الثروة والنفوذ دون عقاب الله تعالى لكم ، وكذلك لن تحول دون نظرات الإزدراء من الناس لكم حتى وإن كانوا يخفونها عنكم – طوعاً – أو رهباً إلى حين .
- إنكم لا تدركون أن هذا المال الحرام لن يجلب لكم سوى سعادة مؤقتة قصيرة الأمد ، وسُرعان ما يظهر في علل وأمراض ، أو عقوق أبناء ، أو مصائب ومكاره تأتيكم من حيث لا تتوقعون ، وإن الله يُمهل ولا يُهمل ، والحمد لله رب العالمين .